سيد قطب

1880

في ظلال القرآن

إنها الحقيقة الكبيرة في هذا الدين . حقيقة العروة التي ترجع إليها الخيوط جميعا . عروة العقيدة التي تربط بين الفرد والفرد ما لا يربطه النسب والقرابة : « إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ . إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ » . . فهو منبتّ منك وأنت منبت منه ، ولو كان ابنك من صلبك ، فالعروة الأولى مقطوعة ، فلا رابطة بعد ذلك ولا وشيجة . ولأن نوحا دعا دعاء من يستنجز وعدا لا يراه قد تحقق . . كان الرد عليه يحمل رائحة التأنيب والتهديد : « فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ . إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ » . . إني أعظك خشية أن تكون من الجاهلين بحقيقة الوشائج والروابط ، أو حقيقة وعد اللّه وتأويله ، فوعد اللّه قد أول وتحقق ، ونجا أهلك الذين هم أهلك على التحقيق . ويرتجف نوح ارتجافة العبد المؤمن يخشى أن يكون قد زل في حق ربه ، فيلجأ إليه ، يعوذ به ، ويطلب غفرانه ورحمته : « قالَ : رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ، وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ » . . وأدركت رحمة اللّه نوحا ، تطمئن قلبه ، وتباركه هو والصالح من نسله ، فأما الآخرون فيمسهم عذاب أليم : « قِيلَ ؛ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا ، وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ . وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ » . . وكانت خاتمة المطاف : النجاة والبشرى له ولمن يؤمن من ذريته ؛ والوعيد والتهديد لمن يريدون منهم متاع الحياة الدنيا ثم يمسهم العذاب الأليم . . ذات البشرى وذات الوعيد ، اللذان مرا في مقدمة السورة . فجاء القصص ليترجمهما في الواقع المشهود . . ومن ثم يجيء التعقيب : « تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا ، فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ » . . فيحقق هذا التعقيب من أهداف القصص القرآني في هذه السورة : * حقيقة الوحي التي ينكرها المشركون . فهذا القصص غيب من الغيب ، ما كان يعلمه النبي ، وما كان معلوما لقومه ، ولا متداولا في محيطه . إنما هو الوحي من لدن حكيم خبير . * وحقيقة وحدة العقيدة من لدن نوح أبي البشر الثاني . فهي هي . والتعبير عنها يكاد يكون هو التعبير . * وحقيقة تكرار الاعتراضات والاتهامات من المكذبين على الرغم من الآيات والعبر والبينات التي لا تمنع جيلا أن يرددها وقد بدت باطلة في جيل . * وحقيقة تحقق البشرى والوعيد ، كما يبشر النبي وينذر ، وهذا شاهد من التاريخ . * وحقيقة السنن الجارية التي لا تتخلف ولا تحابي ولا تحيد : « والعاقبة للمتقين » . . فهم الناجون وهم المستخلفون .